خمسٌ وستون في جدٍّ وإنجازِ

غازي القصيبي 1940- 2010م

معيدٌ مغمور، فأستاذٌ جامعي، فعميد، فمديرٌ عام، فوزير، ثم وزير، فسفير، ثم سفير، فوزيرٌ مرة أخرى، ثم وزير! وفوق ذلك كلِّه، أديبٌ فصيح، وكاتبٌ صحفي، ومستشار . . . ومثيرٌ للجدل!

قُبيل دخولي المرحلة الجامعية، عام 2011م تقريبًا، كُلّفتُ بكتابة بُحيثٍ أدبي عن أديب سعودي، وكان من بين الأدباء المطروحين: غازي القصيبي، فاخترته، وكم كانت فرحتي عارمة بذلك! ليس لأني كنتُ معجبةً بأدبه، أو هاويةً لشعره، أو حتى متابعةً لأخباره، ولكن، لأني كنتُ أعرف حالة الجدل التي يثيرها ذكر اسمه في أي مجلس سعودي آنذاك! ولم أكن أعيها بالمناسبة، ولا أعرف أسبابها، ولا دوافعها، لكني أعرف -نسبيًا- الفئات التي تتصدى لذلك الرأي، فأردت استثارتهم فقط!

والحقيقة أني لا أذكر الآن أيَّ جزء علمي من ذلك البُحيث، لكني أذكر جدًا أني أُعجبت بطريقة تفكيره، وبُهرت بسيرته، وأعماله، وتساءلت كثيرًا…………. كثيرًا، عن أسباب معارضته بتلك الضراوة!

أظن السطرين الأوليين من هذه التدوينة يشرحان شيئًا من أسباب ذلك، إضافة إلى ما قاله الدكتور بنفسه في سيرته الإدارية: “تعلَّمتُ تلك الأيام، ولم أنسَ قط، أنه إذا كان ثمن الفشل باهظًا، فللنَّجاح -بدوره- ثمنه المرتفع“. يكمل فيقول: “لا أعزو السبب إلى حسدٍ دفينٍ كامنٍ في صدور الناس، وإن كان العالم لا يخلو من عدد من المَنْكُودين المُعَذَّبين بسعادة الآخرين. ولا أعزو السبب إلى الغيرة، وإن كان العالم يحتوي عددًا من الرجال لا تختلف غيرتُهم من الآخرين عن غيرة المرأة من ضَرّتها. أعزو السبب إلى نزعة فطرية في نفوس البشر، تنفر من الإنسان المختلف، الإنسان الذي لا يتصرف كما يتصرفون”.

عدتُ لقراءة سيرته الإدارية (حياة في الإدارة) بعد سنين من ذلك، فلم تُضف لي إلا إعجابًا بشخصيته، وطريقته في الإدارة والعمل، ففلسفته في الإدارة بشكل عام: “السلطة بلا حزم تؤدي إلى تسيُّبً خطير، والحزم بلا رحمة يؤدي إلى طغيانٍ أشدَّ خطورة“. أما في النجاح، فله رؤية رائعة، نقيَّة، يقول: “إنَّ رغبتي في إتقان ما أقوم به من عمل لم تعنِ -قط- رغبتي في التفوق على أي إنسان آخر. كنتُ، ولا أزال، أرى أنَّ هذا العالم يتّسع لكل الناجحين بالغًا ما بلغ عددهم. وكنتُ، ولا أزال، أرى أنَّ أي نجاح لا يتحقَّق إلا بفشل الآخرين هو في حقيقته هزيمة ترتدي ثياب نصر“. أما في التعليم، ففلسفته: “أنها عمليَّة مستمرة تدوم ما دامت الحياة، وإن اختلفت المدارس وتغيَّرت المناهج”. أما في مبدئه حول الحرية، والتخطيط للمستقبل، فيقول: “كنتُ، ولا أزال، من المؤمنين بحرية الإرادة المحكومة بقدر الله. وكنتُ، ولا أزال، أرى أنَّ على المرء أن يخطِّط لمستقبله بكل ما يملك من قوة، وأن يعرف في الوقت نفسه، أنَّ إرادة الله، لا تخطيطه، هي التي سترسم مسار هذا المستقبل”. أما سرُّ نجاحه، فهو كما يقول: “أنني كنتُ أعرف مواطن ضعفي بقدر ما أعرف مواطن قوَّتي“.

حقيقةً، قرأتُ سيرته قبل سنوات، وعدتُ لقراءتها اليومين السابقة، فلم أجد فيها إلا كل تميُّز، وفِكْرٍ مُبدع ناجح، وطموح للتغيير الحَسن، فرحمه الله، قضى سنوات عاصفة بكلّ المعاني، إيجابية وسلبية، بدءًا من تنقُّله بين المناصب، والمدن، والدُّول إلى حضوره الجدليّ في عناوين الصحف، وحديث المجالس. ولعلَّه استشعر هذا المعنى عندما كتب يرثي نفسه في رائعته (حديقةُ الغروب)…… وهي قصيدة عذبة، بموسيقى فاتنة، يستحقُّ كلُّ حرفٍ منها أن يُقرأ……. اقرؤوا بتأمُّل بعض أبياتها:

خمسٌ وستُونَ في أجفان إعصارِ   

أما مللتَ من الأسفارِ.. ما هدأت

أما تَعِبتَ من الأعداءِ.. مَا برحوا 

بلى! اكتفيتُ وأضناني السُّرى وشكا

أيا رفيقةَ دربي، لو لديّ سوى

أحببتني وشبابي في فُتُوَّتهِ

منحتني من كُنوز الحُبّ أَنفَسها

ويا بلادًا نذرتُ العمر، زَهرتَه    

تركتُ بين رمال البِيْدِ أُغنيتي

إن ساءلوكِ فقولي: لم أبعْ قلمي

يا عالم الغيبِ! ذنبي أنتَ تعرفُه

وأنتَ أدرى بإيمانٍ مننتَ به

أحببتُ لقياكَ.. حسن الظن يشفع لي

          

أما سئمتَ ارتحالاً أيّها الساري؟

إلا وألقتك في وَعْثَاءِ أسفار؟

يُحاورونكَ بالكبريتِ والنَّارِ

قلبي العناءَ، ولكن تلك أقداري!

عُمري.. لقلتُ: فدى عينيكِ أعماري!

وما تغيّرتِ والأوجاعُ سُمَّاري

وكنتُ لولا نداكِ الجائعَ العاري!

لعزّها… دُمتِ!… إني حان إبحاري

وعند شاطئكِ المسحورِ أسماري

ولم أُدنِّس بسوق الزَّيف أفكاري

وأنت تعلمُ إعلاني.. وإسراري

عليَّ.. ما خدشته كل أوزاري

أيرتُجَى العفو إلاّ عند غفَّارِ؟

دُمتم بخير.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: