طفلٌ خجولٌ جريءٌ

في قرية هادئة من قُرى مصر العريقة، وفي أحد أيام نوفمبر 1889م وُلد ذلك الطفل. يصحو فجرًا فيستمع إلى الدُّنيا التي تنتهي يمينًا بالقناة التي تُجاورهم، ويسارًا بخيام جارهم. هادئٌ، صامتٌ، قليلُ البكاء، يستحي ويخشى نظرة الناس له مُنذ صغره للحدّ الذي يجعله يأكل أحيانًا لوحده. كان يخشى ضحك الناس عليه ممّا لا يراه، ولا يستطيع أن يراه!

كان طفلًا مُحبًّا للاستكشاف، والتعلُّم، عنيدًا، أمنيته الوحيدة أن يدرس في الجامع الأزهر ليصبح شيخًا كأخيه، فيُوقَّر ويُجلَّ ويُحترم، وتُعدَّ الموائد استبشارًا بعودته أثناء الصيف. ويا لها من بُشرى مُحزنة يوم ودَّعه أبواه في محطة القطار عام 1902م إلى القاهرة مع أخيه، حيث عاش هناك أول سنينه فرحًا بالعلم، مُتنقلًا بين حِلَق التوحيد والفقه والمنطق في ساحات الأزهر. وكم كانت عودته لقريته الصغيرة كلَّ صيف رحلةً ممتعة، وأمنية متحقّقة، يُستقبل فيها أحسن استقبال، ويُصدَّر المجالس، ويُسأل فيُجيب حتى لو تكرَّر السؤال ألف مرة!

إلا أنَّ ذلك الشعور ما لبث أن بدأ يتلاشى، ويَخْفِت، وتخفت معه الرغبة في تلك الدراسة الروتينية المُملّة. ليست كما ظنَّ، أو أنها لم تُروِه، فقد شُغف بالشعر والأدب، والقصص العربيَّة والمترجمة، وانقطعت صلته الروحيَّة بالأزهر. ولذلك فليس من العجب إن علمنا أنه بادر إلى الانضمام للجامعة المصريَّة فور افتتاحها؛ علَّه يجد فيها ما يُرويه. وهناك التقى بأساتذة مختلفين أجناسًا، متنوّعين فكرًا، ومُنفتحين ثقافةً، دُروسهم في قاعات متميزة، ويلبسون الطٌّربوش بدل العمامة، فراقت له حياتهم، وتطبَّع بطباعهم.

في أسوار تلك الجامعة بدأ رحلته الشغوفة -جدًّا- مع الصّحافة والكتابة، فكتب ونشر عشر سنين مقابل حبّه للكتابة، ولم يستلم على ذلك جُنيهًا واحدًا!

عرَّفته الجامعة على اللُّغة الفرنسيَّة، فشُغف بها، وبالعالم الأوروبي المُختلف! فأصبحت أحلامه هُناك، الدراسة فيها، والزواج من أهلها، حتى أنه كان يقول لأخواته عند زيارتهن في الصيف: “، سأتزوج زوجة فرنسية مثقفة راقية، وليست جاهلة”، فكُنَّ يتضاحكن عليه.

وفي إحدى أيامه السعيدة تصفَّح الجريدة، فقرأ فيها إعلانًا من الجامعة تفتح فيه باب القبول لبعثة فرنسا لطالبَيْن من طلابها -فقط-، فبعث خطابًا كلُّه الحماسة والأمل إلى مدير الجامعة، فرُفض؛ لأنَّه أعمى، وذلك يُكلَّف الجامعة نفقات إضافية؛ لضرورة وجود مرافق له. ولك أن تتخيَّل انكسار القلب بذلك الرَّفض. بعث خطابًا آخر استعتب فيه الجامعة على ردّها، قال في جزء منه: ” وإذا كانت الطَّبيعة قد حالتْ بيني  وبين كثيرٍ من نعيم الحياة، فما ينبغي أن تكون الجامعة عونًا للطبيعة على حرماني لذَّة الانتفاع بالعلم، والنفع به، مع أنها تعلم أني على ذلك أقدر ما أكون”، فرُفض بحجّة عدم إتقانه اللُّغة الفرنسيَّة. فأتقنها خلال سنة، ثم عاد بخطاب آخر، فرُفض حتى يحصل على درجة العالميَّة (الدكتوراه) في تخصُّصه، فزاده التحدّي عزيمة وقوَّة، وعمل واجتهد حتى حصل على الدرجة من قسم الآداب في الجامعة المصريَّة، فكان أوَّل طالب مصري يحصل على تلك الدرجة في تلك الجامعة عام 1914م، وعمره 25 عامًا -فقط-. ويا لها من فرحة عارمة أن ينتصر في تحدّيه مع الجامعة التي أصبحت مدينةً له بالابتعاث. وبعد أحداث الحرب المؤسفة التي أعاقته عن السفر مدَّةً أَبحرَ إلى مونبلييه، ورأى الدُّنيا، الدُّنيا التي لا تحدُّها قناة قريتهم، ولا خيام جارهم، الدُّنيا التي حلم بها.

تعلَّم هناك لغة برايل (لغة المكفوفين)، وأتقن اللُّغة الفرنسيَّة، واللاتينية. ثم وقع في حُبِّ مساعدته، فقال: “لم يعرف الفتى أنه أحبَّ الحياة كما أحبَّها في الثامن عشر من شهر مايو ذلك العام”،فاستجمع قُواه واعترف لها بحُبّه، فرفضته، فاسودَّت الدُّنيا في عينيه، وعادت صغيرة كما عرفها طفلًا. ولما لاحظت مساعدته ذلك الهمَّ الذي اعتلى وجهه أدركته، وراجعت قلبها -وكان ذلك على أعتاب الإجازة الصيفيَّة؛ حيث اعتادت أن تُسافر إلى أهلها في قريتهم-، فقالت لذلك الشابّ المُحبّ: إن وجدت بين رسائل الصيف التي أُرسلها لك رسالةً أدعوك فيها لزيارة قريتي، فتلك موافقتي، وإن لم تجدها، فاعلم أن الصداقة بيننا باقية، فلا تُفسدها. وكم كانت أيامه بطيئة في انتظار رسائلها التي تأتي ولا تحمل معها البُشرى، إلى أن وجد نفسه في يومٍ من الأيام في محطة قطار قريتها، وهي تستقبله، فخُلق -كما يصف نفسه- خلقًا جديدًا في تلك اللحظة.

 خُطبا، ومضت خطبتهما سنة كاملة بين قراءة التاريخ والأدب الفرنسي واللاتيني صباحًا،ومساءً. تزوجا قبل الصيف من العام التالي. وأكمل رحلته في الدكتوراه مستعينًا بزوجته العظيمة، ومُمليًا كثيرًا من فصول دراسته وأمينة الصغيرة بين ذراعيه.

نجح، فتميَّز، وعاد إلى القاهرة مزهوًّا بنجاحه، وحياته التي أسَّسها كما يُحبُّ ويتمنى، وكانت تلك فقط شرارة النجاح، والدرجة الأولى من سُلم تميُّز عميد الأدب العربي، ومُبدع السيرة الذاتيَّة (الأيَّام)، الأديب المصريّ طه حسين.

لا توجد آراء بشأن "طفلٌ خجولٌ جريءٌ"

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: